محمد كرد علي
83
خطط الشام
حتى في فهم ما انتدبو إليه ، فكانت تنكشف أعمالهم منذ أول يوم يسبحون بحمد من استهووهم . وبعد فالصحافة العربية في الشام تحتاج إلى أربع أو خمس صحف وبضع مجلات على النمط العالي من نوعها في أمم الحضارة ، تصدر في أمهات حواضر الشام ( القدس وبيروت ودمشق وحلب ) وترجع في شؤونها إلى شركات منظمة تدير ماليتها ، أو أحزاب سياسية ثابتة تدير حركتها ، ويوكل أمرها إلى كفاة ينسجون فيها على أحسن منوال نسجته صحافة أوروبا وأميركا ، ونحن لا نتطال إلى أن يكون للشام اليوم صحافة كصحافة بريطانيا العظمى بوفرة مادتها ، وصدق لهجتها لأمتها ، وسرعة تناولها الأخبار ، وتنويع أساليب التعليم والتفهيم ، بل نرجو أن تكون لنا صحافة متناسبة مع ماضينا وحاضرنا ، بحيث لا تكون الشام أحط من مصر في هذا الشأن على الأقل . الصحافة عنوان ارتقاء الأمة ، وليس ما يمنع من إبرازها في قوالب مقبولة لجميع الأذواق ، وهذا لا يتم إلا إذا وسدت أعباء الصحافة للعارفين . قلنا في سنة 1328 ه ( 1910 م ) من مقالة ( المجلد السادس من مجلة المقتبس ) : وقد رأينا هذا التهالك على إنشاء الصحف والمجلات حتى كان لنا منها نحو مئة صحيفة في هذا القطر الصغير ، نأسف لأكثرها على الورق الذي تطبع فيه والوقت الذي يصرف عليها ، وهي خلو من الفوائد اللازمة ، ولولا بضع جرائد ومجلات لا بأس بها في الجملة ، لقلنا إننا بعد اشتغال ستين سنة في الصحافة لا نزال في حالة ابتدائية ، قلنا : إن للنجاح في الأعمال أسبابا كثيرة ، منها ما هو مادي ومنها ما هو معنوي ، إذا اختل أحدها تعذر النهوض بالشق الآخر . وإنشاء الجرائد والمجلات لا يخرج عن هذا الحد المقرر . وهل في الأرض عمل لا يحتاج إلى علم وتجارب ومال واستعداد ؟ ولطالما رأينا مصر في الثلاثين سنة الأخيرة ، والشام في عهدها الدستوري وغيرهما من الأقطار والأمصار التي يتكلم أهلها بالعربية ، تتجرأ على إصدار الصحف بدون حساب ولا روية ، وأدركنا العامة أجرأ من الخاصة على اقتحام هذا المركب الصعب ، وليس لديهم في الأغلب من وسائط النجاح كبير أمر ، فلا يلبث ما ينشئون أن يظهر إلى الوجود حتى يختفي اضطرارا لا اختيارا . وهذا هو السبب في تعدد الجرائد وقصر أعمارها واشمئزاز